في قرار اعتبره الكثيرون استفزازياً وخطيراً، أعلن البيت الأبيض عن بدء تنفيذ الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الواردات من كندا والمكسيك والصين اعتباراً من يوم السبت، وقد جاء هذا الإعلان وسط تحذيرات اقتصادية وسياسية من تداعيات هذه الخطوة التي يتم النظر إليها على أنَّها جزء من سياسة ترامب الحمائية الرامية إلى حماية الصناعة الأمريكية وتقليل العجز التجاري.
هذا الإجراء أثار العديد من التساؤلات، خاصة في ظل المخاوف من أن يؤدي إلى نشوب حروب تجارية تُهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي وتُعيد إحياء أخطاء تاريخية كتلك التي ساهمت في الكساد العظيم.
رسوم ترامب الجمركية
أوضحت المتحدثة باسم الرئاسة الأمريكية، كارولاين ليفيت، أنَّ الرسوم الجمركية ستشمل نسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك، و10% على الواردات من الصين، وبررت الإدارة الأمريكية هذه الخطوة بأنّها رد فعل على ما وصفته بـ\”الفنتانيل غير القانوني\” الذي تنتجه هذه الدول وتسمح بتوزيعه في الولايات المتحدة.
وأضافت: \”هذه الخطوة جزء من سياسة ترامب الحمائية التي يتبناها منذ توليه الرئاسة، والتي تهدف إلى تقليل العجز التجاري الأمريكي، وإعادة بناء القوة التصنيعية للولايات المتحدة، وتوليد إيرادات إضافية للحكومة الفيدرالية\”.
في هذا السياق، أشارت مجلة \”الإيكونوميست\” في تحليل لها إلى أنَّ فرض الرسوم الجمركية المرتفعة كان أحد الأسباب الرئيسة التي أدت إلى الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وأوضحت أنَّ السياسات الحمائية التي تم فرضها آنذاك وضعت الولايات المتحدة على \”طريق الخراب\” من خلال إثارة ردود فعل انتقامية من الدول الأخرى، وخنق الاستثمارات العالمية، وقد استغرق الأمر عقوداً من الجهود الدولية، بقيادة الولايات المتحدة نفسها، لإعادة خفض التعريفات الجمركية وفتح الأسواق أمام التجارة الدولية.
اقرأ أيضًا: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار
مخاطر السياسات الحمائية
من منظور عام 2025، لا تزال مخاطر السياسات الحمائية واضحة، حيث إنَّ فرض الرسوم الجمركية يمكن أن يؤدي إلى حروب تجارية تضعف النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي فإنَّ الولايات المتحدة تخاطر بتكرار أخطاء الماضي إذا استمرت في تبني هذه السياسات.
ووفقًا للمجلة، على الرغم من أنَّ بعض المستثمرين والدبلوماسيين شعروا بالارتياح لأنَّ ترامب لم يفرض رسوماً جمركية شاملة على جميع الواردات في بداية ولايته، إلَّا أنَّ قراره الأخير بفرض رسوم على كندا والمكسيك والصين أثار مخاوف جديدة؛ فكندا والمكسيك هما شريكان تجاريان رئيسان للولايات المتحدة بموجب اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، التي أعيد تفاوضها لاحقاً لتصبح اتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا (USMCA)، وبالتالي فإنّ فرض رسوم جمركية على هذه الدول قد يُهدد استقرار العلاقات التجارية بينها.
أمَّا الصين، فهي شريك تجاري كبير للولايات المتحدة، لكنّ العلاقات بين البلدين تشهد توترات متزايدة بسبب قضايا مثل حقوق الملكية الفكرية، والعجز التجاري، والمنافسة التكنولوجية، وإنّ فرض رسوم جمركية على الصين قد يؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية بين القوتين الاقتصاديتين العظميين.
الآثار المحتملة على الاقتصاد الأمريكي
رغم أنَّ ترامب يرى في الرسوم الجمركية أداة فعالة لتحقيق أهدافه الاقتصادية، إلَّا أنَّ هذه السياسات قد تأتي بنتائج عكسية، فزيادة الرسوم الجمركية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما يزيد من تكاليف الإنتاج للشركات الأمريكية ويؤثر على المستهلكين. بالإضافة إلى ذلك، قد ترد الدول الأخرى بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأمريكية، مما يضر بالصناعات المحلية ويُقلل من فرص التصدير.
وفي هذا السياق، أكَّدت الخبيرة الاقتصادية، ندى حسن، أنَّ دخول الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الصين وكندا والمكسيك حيز التنفيذ سيُؤدي إلى تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها الاقتصاديين، مع تداعيات سلبية على الأسواق العالمية.
وأضافت أنَّ السياسة الجمركية التي يتبعها ترامب تحمل مخاطر حتى على الشركات والمستهلكين الأمريكيين، إذ إنَّ ارتفاع الرسوم سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج للعديد من الصناعات، مما قد يجبر بعض الشركات على البحث عن موردين بديلين أو نقل عملياتها إلى خارج الولايات المتحدة، كما أنَّ ارتفاع الأسعار سيؤثر على القدرة الشرائية للمستهلكين، مما قد ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.
موضوع ذو صلة: الشركات الأمريكية تُخزن السلع للاستعداد لرسوم ترامب الجمركية على الصين
ردود فعل دولية
أوضحت الخبيرة في تصريحات خاصة لـ\”Econ-Pedia\” أنَّ فرض هذه الرسوم، التي تستهدف قطاعات حيوية مثل الصلب والألمنيوم والمنتجات الزراعية والصناعية، سيؤثر بشكل كبير على الاقتصادات المستهدفة؛ فقد بدأت الصين بالفعل في اتخاذ إجراءات انتقامية بفرض رسوم على المنتجات الأمريكية، بينما أبدت كندا والمكسيك استياءهما من هذه السياسات التي قد تؤثر على صناعات رئيسة مثل السيارات والطاقة.
كما أشارت الخبيرة إلى أنَّ الصين بدأت بالفعل في إعادة هيكلة استراتيجياتها التجارية من خلال تعزيز العلاقات مع أسواق بديلة، مثل الاتحاد الأوروبي ودول جنوب شرق آسيا، في محاولة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكي أما كندا والمكسيك، فقد تلجآن إلى فرض تعريفات جمركية مضادة على السلع الأمريكية، مما قد يُعقد المشهد التجاري أكثر\”.
ومن جانبها، حذرت الخبيرة من أنَّ استمرار هذه السياسات الحمائية قد يؤدي إلى اضطرابات في التجارة العالمية، مما يزيد من مخاطر تباطؤ النمو الاقتصادي، ليس في الدول المستهدفة فحسب، وإنّما على المستوى الدولي أيضاً؛ فقد يؤثر التصعيد التجاري في تدفقات الاستثمار العالمي، ويزيد من حالة عدم اليقين التي تضر ببيئة الأعمال والاستثمارات طويلة الأجل.
كيف ستنعكس الرسوم الجمركية لترامب على اقتصادات الدول العربية؟ اطّلع على التفاصيل!








